فخر الدين الرازي
374
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : قالوا : هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [ المائدة : 42 ] . المسألة الثالثة : أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد ، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعا ، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم . ثم قال تعالى : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ . قال ابن عباس : يريد به يردوك إلى أهوائهم ، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن ، ومنه قوله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [ الإسراء : 73 ] والفتنة هاهنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « أعوذ بك من فتنة المحيا » قال هو أن يعدل عن الطريق . قال أهل العلم : هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، لأن اللَّه تعالى قال : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان . ثم قال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا أي فإن لم يقبلوا حكمك فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا ، وهو أن يسلطك عليهم ، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء ، وإنما خصّ اللَّه تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم ، وكان مجازاتهم بالبعض كافيا في إهلاكهم والتدمير عليهم ، واللَّه أعلم . المسألة الثانية : دلّت الآية على أن الكل بإرادة اللَّه تعالى ، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر . ثم قال تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ لمتمردون في الكفر معتدون فيه ، يعني أن التولي عن حكم اللَّه تعالى من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 50 ] أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) ثم قال تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ / وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر تبغون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على المغايبة ، وقرأ السلمي أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع يَبْغُونَ خبرا وإسقاط الراجع عنه لظهوره ، وقرأ قتادة أبحكم الجاهلية والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام الجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّين حكما كأولئك الحكام . المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : قال مقاتل : كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث اللَّه محمدا عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر ، وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا من تمر ، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم ، فاقض بيننا